الأبشيهي

871

المستطرف في كل فن مستظرف

أين القرون الخالية أين الذين نصبت على مفارقهم التيجان أين الذين قهروا الأبطال والشجعان أين الذين دانت لهم المشارق والمغارب أين الذين تمتعوا باللذات والمشارب أين الذين تاهوا على الخلائق كبراً وعتياً أين الذين راحوا في الحلل بكرة وعشياً أين الذين اغتروا بالأجناد أين أصحاب الوزراء والقواد أين أصحاب السطوة والأعوان أين أصحاب الإمرة والسلطان أين أصحاب الأعمال والولايات أين الذين خفقت على رؤوسهم الألوية والرايات أين الذين قادوا الجيوش والعساكر أين الذين عمرو القصور والدساكر أين الذين أعطوا النصر في موطن الحروب والمواقف أين الذين آمنوا بسطوتهم كل خائف أين الذين ملأوا ما بين الخافقين فخراً وعزاً أين الذين فرشوا القصور حريراً وقزاً أين الذين تضعضعت لهم الأرض هيبة وعزا هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ذكراً أفناهم الله مفني الأمم وأبادهم مبيد الرمم وأخرجهم من سعة القصور إلى ضيق القبور تحت الجنادل والصخور فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم لم ينفعهم ما جمعوا ولا أغنى عنهم ما اكتسبوا أسلمهم الأحباء والأولياء وهجرهم الإخوان الأصفياء ونسيهم الأقرباء والبعداء لو نطقوا لأنشدوا : [ من الوافر ] مقيم بالحجون رهين رمس * وأهلي راحلون بكل واد كأني لم أكن لهمو حبيباً * ولا كانوا الأحبة في السواد فعوجوا بالسلام فإن أبيتم * فأوموا بالسلام على البعاد وقالوا : لا فخر فيما يزول ولا غنى فيما لا يبقى وهل الدنيا إلا كما قال بعض الحكماء المتقدمين : قدر يغلي وكيف يملي وفي هذا المعنى قال الشاعر : [ من الكامل ] ولقد سألت الدار عن أخبارهم * فتبسمت عجباً ولم تبدي حتى مررت على الكنيف فقال لي * أموالهم ونوالهم عندي ولقد أصاب ابن السماك حيث قال للرشيد لما قال له عظني وكان بيده شربة ماء فقال له : يا أمير المؤمنين لو حبست عنك هذه الشربة أكنت تفديها بملكك قال : نعم قال يا أمير المؤمنين : لو شربتها وحبست عن الخروج أكنت تفديها بملكك قال : نعم فقال له : لا خير في ملك لا يساوي شربة ولا بولة . وقال ابن شبرمة : إذا كان البدن سقيماً لم ينفعه الطعام وإذا كان القلب مغرماً لم تنفعه الموعظة وروي أن أبا العتاهية مر بدكان وراق وإذا بكتاب فيه : [ من السريع ] لا ترجع الأنفس عن غيها * ما لم يكن منها لها زاجر فقال : لمن هذا البيت . فقيل : لأبي نواس قاله للخليفة هارون الرشيد حين نهاه عن حب الجمال وعشق الملاح فقال : وددت أنه لي بنصف شعري . وممن استبصر من أبناء الملوك فرأى عيب الدنيا وتقضيها وزوالها إبراهيم أدهم بن منصور كان من أبناء ملوك خراسان من كورة بلخ لما زهد الدنيا